أحمد بن علي القلقشندي

154

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

علينا ، وإعفائنا من إضجار الانتظار ، معتدّا بذلك في كريم الأيادي والمبارّ ، إن شاء اللَّه تعالى . وله في مثله : هذا اليوم - أطال اللَّه سيدي - يوم أعرس فيه الجوّ بالجارية البيضاء فخدّرها ، وحجبها بسجف ( 1 ) الغمام وستّرها ، واختال اختيال المعرّس في معرّسه ، بمصندله وممسّكه ومورّسه ، واتّخذ من ذهب البوارق نثارا ، واستنطق من زنّار الرّواعد أوتارا ، ودعا إلى حضور وليمته ، والسّرور بمسرّته ، فإن رأى أن يلبّي طلب ( 2 ) هذا اليوم الصّفيق ، ويتمتّع بعيشه الرافغ ( 3 ) الرّفيق ، فليطلع علينا طلعته الَّتي تبهر القمر المزهر ، وتصدع الليل المعتكر ، لينهض غرّة الإصباح ، بغرّة الراح ، ويقطف ثمار الأنس والمحاضرة ، ويتملَّى بالسّماع والمذاكرة ، ويأخذ بحظَّ من لذاذة الفيخة الشبيهة بشمائله ، ويعدّ ذلك من مبارّه وفواضله ، [ فعل ] إن شاء اللَّه تعالى . وله في الاستزارة في بستان : كتبت - أطال اللَّه بقاء سيّدي - وقد غدوت في هذا اليوم [ إلى ] بستاني والطَّير في الأوكار ، والأنداء ( 4 ) تهبط كالتّيّار ، والليل مشتمل على الصّباح اشتمال الأدهم على الأوضاح ، عازما على مشارفته ومشارفة ما استمددت من عمارته ، لا للخلوة فيه بمعاطاة المدام ، ومؤانسة النّدام ، فحين سرّحت الطَّرف في ميادينه وجداوله ، وأقبلت على تصفّح حلاه وحلله ، رأيت مناظره تعتلق القلوب اعتلاق الأشراك ؛ وتعتاق المستوفز عن الحراك ، وتقيم قاعد المزاج والنّشاط ، وتوقظ هاجد الفرح والانبساط ؛ فمن أشجار كالأوانس ، في ريحانيّ الملابس ، حالية من موشّع الزهر والثمر ، بأنصع من الياقوت والجوهر ، كأنما تحفّلت لاجتلاء

--> ( 1 ) السجف ، بفتح السين وكسرها : الستر . لسان العرب ( سجف ) . ( 2 ) في الأصل : « أبطل » ، ولعله من تصحيف الناسخ . حاشية الطبعة الأميرية . ( 3 ) عيش أرفغ ورافغ ورفيغ : خصيب واسع طيّب . لسان العرب ( رفغ ) . ( 4 ) الأنداء ، والأندية : جمع الندى ، وهو ما يسقط بالليل . لسان العرب ( ندي ) .